نيويورك, من بعدك يغريني؟
30 يوليو, 2009
منذ وقت طويل توقفت عن تحديث مدونتي وذلك لأمرين, الأول هو انني في الفترة الماضية وإلى الان يوجد لدي امور تشغلني وتبعدني عن جو الكتابة والنشر( مع انني لم اتوقف عن كتاباتي الشخصية) والأمر الآخر هو أنني حالياً مسافر ولا اجد ما يستحق النشر على المستوى الشخصي. كان هذا قبل اليوم طبعاً, اليوم اكمل يومي الثاني عشر في امريكا وقد تنقلت فيها خلال اربع ولايات وخمس مدن (بوسطن, لكسنقتون, تشارلوت, نيو ارك, نيويورك) بنفس الترتيب تقريباً, لاحظت امور كثيرة وأعجبتني امور اكثر لكن شيْ منها لم يستطع ان يجبرني على العودة للكتابة . امس في وقت متأخر من الليل وصلت مدينة نيويورك فبدأت الاثارة تتسلل مع انوار المدينة وانا معلق في السماء وبدأت المدينة تتحرش بي وبقلمي. بدأت اليوم اول جولاتي في هذه المدينة الصاخبة والمتحركة والمستعجلة والمتعجرفة, نيويورك, واخترت ان تكون اول مكان اكتشفه فيها هو حي منهاتن الشهير وتحديداً شارع برودواي بداية من اشهر شارع للماركات 5th avenu أو الجادة الخامسة حتى .8th avenu عندما تزور نيويورك لأول مرة وبين ناطحات السحاب وزحمة البشر والسيارات,لابد وان تشعر بذلك الشعور الغريب, خصوصاً اذا كان وقت زيارتك يوافق ساعة حركة ( ومتى تسكن نيويورك اصلاً) مع أنني تسكعت كثيرا في شوارع باريس وشارع الشانزليزيه وحفظت ارصفته وكذلك قضيت ايام في قلب بوسطن وفي ازقتها ونصبت خيمة في ساحة الدومو في ميلانو وطبعاً تسوقت في (البطحا يوم الجمعة) الا انني لم اشعر بالزحام والضياع والذهول كما شعرت به اليوم. الجميع يركض في جميع الاتجاهات, لا وقت للشرود او التوهان او حتى السؤال اما إن كنت مثلي لاتجيد السير في خط مستقيم فسيتدحرج بك المارة دون رحمة , الجميع هناك ولا أحد هناك, تشعر انك وحيد بشكل غير طبيعي خصوصاً اذا كنت وحدك وتريد ان تصرخ وتتكلم بلغتك وتشتم او تسبح المهم ان تتكلم فالصمت ليس له مكان في هذا الصخب .
أما قبل
يقع الفندق الذي استأجرته Hilton في اطراف مدينة نيويورك وتحديداً في ولاية اخرى وهي نيوجيرسي وقمت بذلك لأن رحلتي اصلاً تتطلب مني زيارة كلية طب الاسنان في نيوجيرسي, عندما قررت الذهاب لنيويورك تنقلت بالقطار ومن ثم اخذت السب واي او قطار الأنفاق. أتحدى اي شخص في العالم ان يفهم مترو نيويورك دون ان يسأل 10 مرات, عندما كنت في باريس وحفظت المترو هناك لا أعلم من (ضحك علي) وقال انك اجتزت اصعب مترو !! ياعم مترو نيويورك يدوخك ويدور راسك وبعدين تبدأ تمسك اول خيط, المهم, ولأنني لا املك من الوقت الكثير قررت ان يكون اول يوم هو التسكع في شوارع منهاتن وفي التايم سكوير وأخيراً قررت ان استغل وجودي في اشهر منطقة مسارح في العالم (برودواي) وأحضر عرضاً مسرحياً هناك.
Jersey Boys
لا آتي كل يوم الى نيويورك ولا اكون في شارع برودواي كل جمعة فكيف سأسامح نفسي اذا لم احضر هناك عرضاً مسرحياً رغم ارتفاع السعر
كانت اغلب مسرحيات شكسبير تعرض ولأن لغتها غالباً صعبة لم افكر حتى في الاستفسار , فبحثت عن عرض مسرحي موسيقي حتى استغل جميع الإمكانيات, فقطعت آخر تذكرة تقريباً بحوالي 122 $ في المنتصف, ولأن رأس مالي من العروض المسرحية هو مسرح المدرسة ومسرحيتين في الجامعة ومسرحية (مهزلة) مناحي قبل سنتين في الرياض فقد ابهرني كل شيْ, نعم كل شيْ, الأداء ,التأثير, المؤثرات , التنظيم, كبار السن المتفاعلين مع الأغاني والرقصات, بكاء الجمهور (طرباً وعذاباً) المسرح الضخم جداً جداً جداً, ساعتين ونصف لا أعلم كيف انقضت بلمح البصر.
انشودة المطر
في زحمة البشر وفي تنقلهم الدؤوب, بدأ المطر يهطل فخرجت المضلات من كل مكان وتغطى اغلبهم بأكياس نايلون لا أعلم اين كانوا يخبؤونها, بدأ المطر يزداد, ثم انسكب انسكاباً على الجميع, ولأنني لا ألوي على شيء, انتبذت ركناً قصيا تحت احدى شرفات المتاجر وجلست اراقب, هدأت حركة النحل وبدأ الناس يشعرون بالؤلفة لبعضهم ولو شكلياً, تجمعوا على شكل قطعان هنا وهناك وابتسامات صفراء لا تفارقهم, كان المشهد مثير جداً لتكتمل الإثارة مع ابو نورة وهو يدندن رائعة السياب في اذني مطر مطر مطر…
أكرهها وأشتهي وصلها,,
في تجربة يوم واحد قررت ان احسم امري مع مدينة نيويورك (الغانية) فهي مثل بنات الهوى, حتى لو بدت جميلة وأنيقة فمن الخطأ ان تقع في هيامها أو ان تعذب نفسك بوصالها, فجوانبها القبيحة وان لم تكن بادية من الآن الا انك تشتمها من مسافة اميال. فغلاء الأسعار هناك مرهق بشكل واضح جداً, كذلك هذا الزحام وهذا الركض المسعور يقصر العمر ويشعرك ان الحياة تنحسب بأجزاء الثانية, أخيراً الوحشة وغياب اي روح للؤلفة في مدينة صاخبة ترى فيها وجوه جميع البشر ولا تألف احدهم ولا يألفك أحد. عفواً نيويورك لا أستطيع الإرتباط بك أو حتى الوثوق بك ولكن هذا لا يعني أنني سأتوقف عن طرق بابك !!!!
تحياتي للجميع



ألان فهمت لماذا يخفي هذا العجوز هذه الإبتسامة وهو ممسكاً بهذه المكينة العتيقة



