حمزة كاشغري..عورة مجتمع!
11 فبراير, 2012
لا اظن ان احداً في السعودية الآن يجهل هذا الإسم, فقد اصبح نار على علم. كيف لا وهو الذي عرض بمقام رسولنا الكريم عليه افضل الصلاة وأتم التسليم. لن اخوض هنا في فداحة ما قال اوتفصيل ما حدث بعد ذلك من تداعيات يعرفها الجميع. لكنني حاولت ان ابتعد للوراء قليلاً..متأملاً الفعل وردة الفعل. فصدمتني الصورة وآلمتني..فماذا رأيت؟
شخص شبه مغمور يكتب خزعبلات حسب تصوراته انها ابداع ادبي وبلاغي وتفنن في فن التعبير وسباحة عكس التيار يحاول من خلالها ان يقول لمن يقرأه انا هنا, انا اختلف عنكم. هذا الشخص(المغمور) تعود ان يكتب بهذه الطريقة ويقترب من الخطوط الحمراء ( بالمناسبة..في بلادي خطين احمرين..خط الدين وخط السياسة..وبالطبع خط السياسة خط احمر بالعريض..فخط الدين قد يدخلك النار وقد لا يدخلك فأمرك الى الله ان شاء عذبك وان شاء غفر لك. اما الثاني فيدخلك الى السجن والى النار وذلك هو الخسران المبين!) نعود لصديقنا (المغمور حتى هذه اللحظة) اذاً في الحقيقة هو حسب الوزن الثقافي والادبي والتأثير على الناس يكاد لا يذكر. لكن, وهنا لفتة مهمة, هذا الحمزة محسوب على التيار الليبرالي السعودي – بالمناسبة, الليبرالية في السعودية عار ومسبة لمفهوم الليبرالية في العالم, وهم يعرفون جيداً نظرية الخطين الأحمرين السابق ذكرهم- اذاً صديقنا حمزة محسوب على هذا التيار الخايب.
حمزة..فعل ماض ناقص!
كما فهمنا ان هذا الشاب العشريني هو ابن عائلة متدينة ويحفظ القران بل كان مدرس حلقة تحفيظ للقران الكريم. اذا هو خريج محاضن التحفيظ ( يعني كان مطوع بالمعنى الدارج). هنا سأتوقف عن ذكر تفاصيل حياة حمزة الحقيقية لأني لا اعرفها ولكنني سأستعير مجازاً جوانب من حياة حمزة وسأعود بكم على طريقة افلام هوليوود (فلاش باك او لمحات من الماضي) من حياة حمزة الافتراضية والتي تشبه كثيراً لواقع عشته انا وعاشه اصدقاء لي نشأوا وترعرعوا في حلقات التحفيظ والمراكز الصيفية.
صديقنا حمزة هذا لا يستطيع ان يحضر للحلقة او يخرج معهم الا اذا لبس الزي التقليدي المعروف للمتدينيين في السعودية ( ثوب قصر وغتره بدون عقال) وهو اوفر حظاً من صديقنا الاخر( أمجد) الذي اصبح اسمه ابوحذيفة لأن اسم أمجد هذا غريب ولا يوجد صحابي اسمه ( أمجد)! حاول حمزة ان يسأل ويناقش في امور فكرية لكنه لم يحصل على اي جواب الا ذلك الجواب المعلب ( تعوذ من الشيطان وانتبه لا تشرك بالكلام اللي تقوله). ذات مرة وعندما خرجوا لمخيم تفاجأ اصدقاء حمزة انه أحضر لبس رياضي لفريق عالمي معروف ( ريال مدريد) فقال له رفاقه ( انتبه لا يشوفك الشيخ..انت صاحي!) اثناء ذهوله بادر احد الشباب المحتسبين باقتراح ان يلعب معهم ولكن بعد ان يقلب القميص ليطمس كل معالم التشبه بالكفار! في احيان كثيرة واثناء المزح يبادرونه بعبارات جارحه من باب المزاح لا اكثر مثل (يا طرش) ولم يبح بذلك الا لرفيقه في الألم (07)!
في هذا الجو نشأ صديقنا حمزة, حفظ القران وكثيراً من الاحاديث خلال العشر سنوات التي قضاها معهم ( من ثاني ابتدائي حتى الثانوية العامة) في هذه البيئة التي تركز على المظاهر وتصنف الناس حسب العرق واللون والمنطقة والقبيلة بشكل واعي وغير واعي نشأ الكثير( بالمناسبة, هذه الظاهرة منتشرة في المجتمع بكافة اطيافه لكننا نستنكرها في هذه المحاضن التي يفترض انها ارقى من المجتمع, او هكذا يعاملون). هناك تختزل نظرتك للحياة حسب رؤية وتقدير شيخك ( وكل واحد هو وحظه في عقلية شيخه!) .
تخرج حمزة من الثانوية وسافر لمدينة اخرى وبدأ يواجه الحياة بنفسه بعيداً عن شيوخه وعن البيئة (المعقمة) التي عاش فيها اغلب سنينه. هذا الخروج جعله يحتك بالحياة الحقيقية دون ان يملي عليه احداً ماذا يعمل او كيف يتصرف؟ ماذا يصح او لا يصح؟ اي كتاب يقرأ واي شريط يسمع؟ اي قناة يتابع واي صحيفة يقرأ واي ساعة ينام ؟! كانت تجربة حياة الاستقلال ( بدون تعقيم..وبكل جراثيمها) صادمة..كانت مدهشة, كانت مختلفة عما تعود عليه – لم يحدد بعد هل هذا الاختلاف جميل او سيء- كل الذي شده انها مختلفه تماماً عما عاشه خلال الفترة الماضية. كان لديه احكام مسبقة واراء جاهزة حصنه بها شيوخه عن كل شيء تقريباً. سار عليها في البداية, ولكن شيئاً فشيئاً نسي الوصايا العشر! ولأن جلده لين, ولأن تجربته في الحياة محدودة ولأن تلك الأسئلة الكبيرة لم تجد لها اجابة بعد, ولأن امامه قائمة طويلة من الأشياء الجديدة التي لم يسبق له تجربتها لأنه لم ينمو النمو الطبيعي, انتقل صديقنا حمزة من اقصى اليمين لأقصى اليسار دفعة واحدة. بل انه عندما ذاق لذة الاختلاف ونشوة الاستقلال بكى بكاءً مريراً على تلك السنين التي ضاعت منه. بل انه تمرد على كل شيوخه واصدقاء الماضي والغاهم من حياته, ووصل به الحال الى الغاء كل ماعلموه له وتجرأ على كل مقدس. فعل كل ذلك حتى يعلن الانفصال التام عنهم وعن كل مايجمعه بهم!
قبل ان اعود بك للواقع, اود لفت انتباهك ان اي تقاطع بين قصة حمزة الوهمية وبين قصة حياتك او قصة احد ممن حولك هو مجرد صدفة لا أكثر!
حمزة…ممنوع من الصرف!
الخطأ الفادح الذي ارتكبه حمزة وهو خطأ فرد قوبل بخطأ افدح..خطأ مجتمع بأكمله. فهذا الهجوم الكاسح الذي قاده التيار المتدين وذلك بالمطالبة برأسه وتجييش الجمهورعليه بل وجعل فعله اكبر طامة حدثت على الارض حتى ان بعضهم يخاف ان يخسف الله بالسعودية بسبب ما قاله حمزة ( وكأن الله بجلاله لا يعنيه الا مايدور في السعوديه ولا يهمه ما يحدث من شرك وظلم وطغيان في بقية الارض). حمزة كما ذكرنا محسوب على التيار الليبرالي ( الخايب) اذاً ببساطة هي معركة جديدة بين التيار الاسلامي والليبرالي وميدانها هذه المرة (حمزة).
فالمطالبة برأس حمزة وتطبيق حد الردة عليه مع سرد الأدلة والفتاوى حتى دون استيضاح او محاكمة هو في ظني سلوك بشري قذر يغذي غريزة الانتقام اكثر من كونه مطالبة بالعدالة او الحق. كذلك البحث في الكتاب والسنه عن ادلة العقاب وتجاوز كل ادلة العدل والتثبت والتوبة والذهاب لأبعد من ذلك بالتشكيك في توبته وعدم قبولها هي ايضاً اعراض سلوك مرضي ينم عن خلل في مفهوم الدين والحياة لدى من يقولون بذلك. وماذا بقي من الدين ان لم يكن العدل والرحمة وحب الخير للآخرين غايته؟ وعن اي تدين تتحدث ان لم تستطع ان تتجاوز غريزتك البشرية في الانتقام؟ ثم ماذا ننتظر من هذا ( المسكين) الذي اخطأ فوجد نفسه امام فتوى حاسمة تقول له سواءً تبت ام لم تتب, سنطبق فيك حد الردة والقتل هو مصيرك في الدنيا وفي الآخرة امرك الى الله؟!!!!!!!!!!!!!!!!
حمزة كاشغري صناعة سعودية بامتياز, قفز بين تيارين متناحرين كان يحسب على أحدهم ثم انتقل للآخر. خطأ حمزة الفادح انه تعرض لمقام اشرف الخلق سيدنا محمد, فثار عليه جميع الناس بكافة اطيافهم بطريقة لا تعكس قوة ايماننا كما نتصور بقدر ماهي رغبة في الانتقام من كل من يقع في الخطأ ونحن بذلك نحاول تزكية انفسنا بطريقة غير مباشرة. حادثة حمزة تكشف لنا عن عورة متفشية في مجتمعنا تضاف الى عوراتنا!








