
عندما طور ماركس وانجلز قوانين المادية الجدلية ( الديالكتيك) التي بذر بذرتها الأولى الفيلسوف والمفكر الألماني هيغل, لم يكونا يتحدثان بالطبع عن الانترنت او الفيسبوك في ذلك الوقت. ينص قانون وحدة وصراع الاضداد على انه (لاتوجد في الطبيعة ظاهرة الا وتحمل في داخلها بذرة فنائها) اتذكر هذ القانون جيدا عندما ارى ماتفعله الشعوب العربية اليوم وكيف انها انتفظت وهبت على حكوماتها الظالمة تبحث عن حريتها المسلوبة. فإذا اعتبرنا استبداد الحكومات العربية منذ عقود هو الظاهرة المسيطرة, سنجد بالمقابل أن تعنت هذه الأنظمة ومبالغتها في القمع والتهميش تمثل مجتمعة البذرة التي قضت على بعض هذه الأنظمة والبقية في الطريق بإذن الله. ثورة الياسمين او ثورة الفيس بوك ,كيف بدأت والى اين تسير ومن اكبر المستفيدين منها ومن اكبر الخاسرين؟
مدخل
ان النكبات التي تختزنها الذاكرة العربية الشعبية كثيرة ومتعدده حتى بتنا لا نعرف من اين نبدأ العد عندما نحاول ان نحصيها, اما اذا ادخلنا العالم الاسلامي مع العالم العربي فإنه يستحيل علينا حينها ان نتذكر عام من حياتنا لم (ننكسر) فيه!
حاول المثقفون الأحرار منذ القدم توعية الشعوب وتشخيص الداء لكنهم لم يسلموا من اعداء الاصلاح والمستفيدين من بقاء الحال وهم في الغالب النخبة السياسية ومن يحيط بهم من مثقفين ورجال دين وإعلام وغيرهم ممن يرى له مصالح لايمكن تحقيقها الا ببقاء هذا النظام. السؤال هنا, لماذا يستميت هذا القريب من السلطة في الدفاع عن الوضع الراهن؟ الجواب في ظني ان هذا المستميت لا يخلو أن يكون احد شخصين إما ان يكون فاسداً ويعلم انه فاسد وإما أن يكون صالح او هكذا ينظر لنفسه فيجد كامل فرصته في نشر افكاره ومعتقداته وايديولوجياته وبالتالي فهو يرجو دوام الحال لأنه لا يعلم عواقب التغييرعليه وعلى مشروعه الفكري- الذي غالبا ما يراه هو الصحيح حسب وجهة نظره الشخصية- بل إن رجل الدين الموالي للحاكم يذهب ابعد من اي شخص آخر ويبالغ في التخويف من التغيير ويخوف عامة الناس ويوهمهم ان هذا التغيير تغيير لدين الله ولما جاء به الكتاب والسنة وهو بذلك يصبغ على رأيه وفكره شرعية ( من لم يكن معي فهو ضد الله!) وقد ذكر الكواكبي في كتابه ( طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد) هذا المعنى فقال:
( الاستبداد السياسي والاستبداد الديني أخوان أبوهما التغلب وأمهما الرياسة, أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان) وكذلك يقول الكواكبي ( المستبد لا يخاف من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد المختصة مابين الإنسان وربه, لاعتقاده انها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة, وإنما يتلهى بها المتهوسون للعلم حتى اذا ضاع فيها عمرهم, وامتلأتها ادمغتهم, وأخذ منهم الغرور ما أخذ, فصاروا لا يرون علماً غير علمهم, فحينئذ يأمن المستبد منهم كما يؤمن شر السكران اذا خمر. لذلك ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية, والفلسفة العقلية, وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع, والسياسة المدنية , ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس وتوسع العقول وتعرف الإنسان ماهي حقوقه وكم هو مغبون فيها, وكيف الطلب. وأخوف ما يخاف المستبد من اصحاب هذه العلوم المندفعين منهم لتعليم الناس وهم المعبر عنهم في القران بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى ( أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) وفي قوله( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) وإن كان علماء الإستبداد يفسرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبد, كما حولوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله الى التشويش على المستبدين.
اذن فالعلاقة بين النظام السياسي واذرعته علاقة نفعية تحتم عليهم التعاون لأنها في النهاية تحقق مصالح الجميع, فالمناصب والجاه والانتفاع المادي والتمكين والوجاهة كلها مغريات ليس من السهل التضحية بها. استمر هذا الحال لوقت طويل خصوصاً في تحكم النظام بكل ادوات التأثير, فنتجت اجيال مدجنة بفكر ساذج وسطحي يجعل من الحياة ( انتظار للموت) ويجعل من الحكام ( الهة تصرف لها عبادة الخوف والرجاء) ويجعل من رجال الدين ( ملائكة لا تخطىء) تتعامل مع النصوص الشرعية بأسلوب ( ما يطلبه ولاة الأمر) وغيرها من التحالفات التي لا تزيد عامة الشعوب الا جهلاً وتفرقة وخوفاً من ( المجهول)
الأنترنت وجوالات الكاميرا
جائتنا التقنية من الغرب كمستهلكين لما وصلوا اليه من تقدم في التقنية والاتصالات وهي لا تلبث أن تتابع وتتوالى ونحن هنا في هذا الجزء من العالم نتلقفها بشره وبتفوق اكثر من المستخدم العادي في امريكا او المانيا او اليابان. وليس هناك سبب يدعوا للاستغراب, فنحن شعوب متعلمة ومنطلقة ومحبة للحياة وليس فينا عيب الا ان الله سبحانه وتعالى ابتلانا بأناس لا يشبهوننا ولا نشبههم.
لن اتتبع مراحل دخول الانترنت للوطن العربي وكيف بدأت الشعوب تتواصل مع بعضها وتطلع على تجارب البعض وتتشارك الافراح والاتراح. بل ان صدمتها الاولى بالانترنت كانت في حرية الشتم ! كيف يمكن ان تشتم في الانترنت باسم مستعار؟! وكذلك في التعامل مع الجنس الاخر! كانت هذه بداية صادمة لمجتمعات فتية مغلقة على نفسها لا تنتظر من الدنيا الا حسن الختام . تجاوز الكثير من شباب وشابات هذا الجيل هذه المرحلة بسرعة وبدأوا في الحوارات الجادة في مختلف المجالات وانتشرت المواقع المتخصصة في التقنية والأدب والفن والدين والسياسة والرياضة وكافة مجالات الحياة. كل هذا كان يحدث بتسارع مخيف لتلك الفئة التي سبق ان اشرنا لها وهي الفئة المستفيدة من الوضع السياسي القائم, لذلك عندما وصلت جوالات الكاميرا اختلطت الامور كثيرا على ( المحافظين) وخصوصا رجال الدين فمنعوها وحرموها وصادق على فتواهم رجال الامن بأن كانوا يستوقفون المارة في الشوارع ويكسرون اي جوال به كاميرا ولو ربع بكسل , والحجة انها قد تستخدم فيما يغضب الله!
وأخيراً ظهرت الشبكات الاجتماعية مثل الفيسبوك وتويتر مع المدونات في وقت كان المستخدم العربي لاعب رئيس على ساحة الانترنت العالمية وكان اليوتوب قد أصبح مزاراً يوميا لجميع المستخدمين في كل انحاء العالم. اصبح الشباب العربي يقرأ ويدون من المحيط الى الخليج ويكتب في المنتديات ويصور بجواله صورا ومقاطع فيديو يشاركها على النت. كل هذا يحدث ولايزال ( النظام وحرسه) متأخرين كثيرا عن شعوبهم. هذه الفجوة بين الأنظمة وشعوبها جعلت هذه الشعوب تستغنى تدريجيا عن وسائل الاعلام الحكومية وما يبث فيها من تستطيح, فأصبح الشاب العربي يستطيع أن يشاهد أحدث ماتبثه السينما أو المنتديات العالمية بضغطة زر فتأتيه ( قبل ان يقوم من مقامه) واذا اراد الاخر ان يقرأ شعر السياب أو يطلع على كتب ومواد ممنوعة فهناك الآف المواقع التي تجعلهم امامه ( قبل ان يرتد اليه طرفه). كل هذا التقدم التقني ساهم في توسع الإدراك الجمعي لدى الشعوب العربية, وبدأت تقارن نفسها بشعوب العالم, فلا تجد اي فرق بينها وبين (خلق الله) في العالم, ولكنها تجد فرق واضح بين انظمتها وحكوماتها وانظمة ذلك ( الكافر) وحكوماته!
تونس, الشرارة الأولى
كجميع الثورات في العالم وليست كأي ثورة قبلها, بدأت ثورة العرب من هناك من عند البوعزيزي في تونس الشابي. ولو حاولنا ان نعود للوراء ونتصور انه لا يوجد انترنت او جوالات في مدينة سيدي بوزيد, كيف كان سيكون الوضع؟ لا اظن ان نظام كذلك الذي كان في تونس سيتوانى في حرق المدينة بمن فيها ( كما سبقه قديما نظام الاسد في سوريا او مذابح صدام في العراق) او غيرها من المجازر والمذابح في الوطن العربي التي بدأت وانتهت ولم يسمع بها احد. ولأن الناس اسقطت من حساباتها شيوخ الحكومة واعلام الحكومة وجميع ادوات الحكومة, اصبحت تبحث عن اخبارها في محطات دول اجنبية او في الإنترنت, لتظهر نعمة الانترنت والجوال بشكل كبير في احداث تونس ويصبح معها جميع التونسيين ثواراً ومراسلين. حينها لم تجد قناة حرة وشريفة مثل الجزيرة اي صعوبة في الحصول على مادة مصورة بجودة مهزوزة ومصداقية عالية لتقوم ببثها للعالم اجمع. استمرت ثورة التونسيين الاحرار بعد أن حاول النظام الفاشي قمعها وحاول التحايل بخطابات بالية تعكس مقدار الجهل الذي يسيطر على هذه الانظمة وابواقها, فمرة يخوفوهم بالغرب واخرى بالجماعات المتطرفة والارهاب, فلا تنفع حيلهم لأن الشعب اصبح متقدما ( بلفة كاملة) كما يقال في سباقات الفورملا. فكان من الطبيعي ان يسقط ذلك النظام القمعي الجائر بعد اكثر من عشرين عام لأن ( الشعب اراد) وبذلك يخسر الغرب حليف قوي جدا في المنطقة.
مصر.. أم الدنيا
ثورة مصر هي ثورة انترنت بامتياز بداية من اعلان يوم 25 ياناير يوم المظاهرات وحتى الان بعد ان تنحى مبارك. الشعب هو نفسه الشعب التونسي ولكن بنكهة مصرية وبعدد مليوني. المطالب هي نفسها ولكن بعبارات مصرية نعشقها جميعا. مارس نظام حسني مبارك كافة الوسائل للقمع, قطع النت في الوقت الي كان فيه شباب النت معتصمين في ميدان التحرير. قطع الاتصالات, ولكن بعد فوات الاوان, فصراخ ميدان التحرير لم يكن بحاجة الى اتصالات ليسمع في العالم, استعان بالبلطجية ورجال امنه فلم يستطيعوا ان يتغلبوا على الشعب. جاء بأبي جهل وقافلته فلم يفيدوه بشيئ بعد ان انكسرت شوكتهم ( واعترضها الأحرار) في معركة ميدان التحرير الكبرى. رجع لنفس حماقات الرئيس التونسي وخوف الشعب من الاسلاميين ومن ايران ومن الغرب ومن اسرائيل ! فكما ان الشعوب العربيه تشترك في نفس طريقة التفكير والهموم والاحلام, اثبت النظام المصري ان الحكومات العربية وادواتها تفكر بنفس الطريقة وتخوف وتقمع بنفس الاساليب. لذلك فإن ( الفلم المصري) الذي حاول مبارك ومن معه تمريره على الشعب اصبح فلم هزلي فاشل. ورغم محاولات اغلب الدول العربية والغربية الوقوف بجانب مصر واقتراح الحلول الا ان الشعب كان واضحا جدا في رسالته ومبتغاه. ليسقط فرعون في 18 يوم وهو الذي بقى في الحكم اكثر من 30 عام. سقوط مبارك كان طامة كبرى للأنظمة العربية, وكان دفعة معنوية هائلة للشعوب العربية, فما هي الا ايام حتى ثارت اليمن والبحرين وليبيا والجزائر والمغرب, اوليست الشعوب العربية سواء؟! سقوط مبارك ونظامه كذلك هو سقوط لأكبر عملاء الغرب واسرائيل وبذلك مرة اخرى تخسر امريكا والغرب ( قطعة) ثمينة على رقعة الشطرنج في شرقنا الأوسط. حدث هذا السقوط مرة اخرى بأدوات الغرب التي صدرها لنا بغرض ( البيع والربح والتسويق) فإذا به يكسب ( شكلياً) من خلال بيع الانترنت والتقنية وأدواتها, ويخسر خسارة فادحة من خلال خسارته (لمشروعه) وخسارته لأنظمة طالما باعت اوطانها بخياراتها وشعوبها بثمن بخس.
احفاد المختار سيقتلون عجلهم
مرة اخرى, وبموعد معد مسبقا قبل ان تنطفئ نيران ميدان التحرير فرحا بسقوط مبارك. اشتعل الليبيون وياله من اشتعال, وياله من عدو حقير مجنون سفاح. هانحن في الايام الأخيرة من ايام هذا النظام الفاشي القمعي الإشتراكي المجرم وهاهم اخواننا في ليبيا يستلهمون ثورتهم من تنوس ومصرليستخدموا شعاراتها وتقنياتها ويضعوا عليها كثيراً من ( دمائهم) ليحاصروا ( قائدهم) المجنون في مدينته وهم يقولون له لا تهرب, نحن لك آتون, ولأنه القذافي المجنون, فمن الطبيعي ان يمارس كل انواع الجنون على ابناء شعبه, فيقتلهم بالالاف ويستعين بمرتزقة أجانب ليعلن بذلك نهايته الحتمية ان شاء الله على يد شعبه مسحولاً في ميادين بن غازي او طرابلس.
كش ملك
أعود لما بدأت به وجدلية صراع الاضداد , فما يحدث اليوم في الوطن العربي يجعلنا نرى كيف ان القوة الناعمة ( الأنترنت) ساعدت الشعوب العربية في التحرر من الاستعمار الجديد واعطتها فضاء من الحرية. وكيف ان ثوراتنا العربية بدأت تلهم بعضها البعض, بل انني لا ابالغ اذا قلت ان هذه الثورات السلمية قد تنتقل الى الغرب والشرق خصوصا ان ادواتها سهلة ومتوفرة للجميع, وعلى الرغم من ان اغلب شعوب العالم تتمتع بحرية أكثر منا الا أنهم أعلى مطالب وأكثر جرأة في الصراخ بها, فلا تستغرب اذا رأيت في نهاية العام معتصمين في أمريكا أو فرنسا او اسبانيا يرددون نفس العبارة العربية ( الشعب يريد …) كما هو الحاصل الان في الصين.
السؤال الذي اختم به: هل يكون التقدم التقني للحكومات الغربية وعلى رأسها أمريكا هو ( الظاهرة) ويكون الانترنت بمختلف مواقعه هو (بذرة) سقوط سطوة هذه الأنظمة على منطقتنا العربية والإسلامية؟ وهل يصبح سلاح الأنترنت الذي صنعته امريكا خنجراً في خاصرة العم سام؟ اعلم انها نظرة متفائلة جداً لكنها ليست اكثر تفاؤلا من تخيل ان يسقط ابن علي ومبارك والقذافي في شتاء واحد !!